مراحل

بداية ومنذ أن وعيت على الدنيا شاركت أبي وعمي في عملهم في الدكانة كمكوجي للملابس، وهذا هو العمل الأساسي للأسرة، كنت في البداية أذهب وأراقبهم وهم يقومون بكي الملابس مستخدمين المكواة الحديدية التي يتم تسخينها على النار المشتعلة طوال اليوم، كنت أذهب في بدايات عمري لأساعدهم وأتعلم منهم، وعندما كبرت أكثر بدأت في العمل كمساعد لهم، وبعد فترة بدأت ألعب دورًا أساسيًا ومسؤولاً في العمل، فأقوم بكي الملابس وتوصيلها بعد ذلك لأصحابها في المنازل، استمر عملي هذا إلى أن تخرجت من الجامعة، بعد التخرج وإلى الآن وفي أوقات بسيطة كالأعياد مثلًا أساعد ولو بجزء بسيط.

العمل مرهقًا جدًا، تخيل أنك تقف في اليوم حوالي 12 ساعة تكوي الملابس خصوصًا في فصل الصيف، وفي أيام الأعياد مثلًا يكون العمل على أشده، ويصل إلى 24 ساعة عمل متواصلة في يوم ما قبل العيد إلي صباح يوم العيد صباحًا. أي شخص آخر يتأفف من أن يقف لكي ملابسه الشخصية لمدة 10 دقائق، ولكن تخيل بأن تكون هذه هي مهنتك التي تتكسب وتعيش منها، كانت أيام جميلة ومرهقة على حد سواء، مليئة بذكريات كثيرة.

عملت كمقدم طعام (جرسون) في أحد النوادي الرياضية، كنت أقدم فيها الطعام والشراب للزبائن، استمررت في هذا العمل حوالي أسبوعين، أتذكر أول مرة حملت فيها صينية المشروبات وكيف كادت أن تسقط كلها على الأرض. أتذكر في أول مرة أقابل فيها أحد الأشخاص على الطاولة وأسأله عما يحب أن يطلب، وبعد أن أستمع إليه وألتفت للوراء، أكون قد نسيت ما قاله لي وبالتالي أعود لأسئلة مرة أخرى عن مطلوبه. أتذكر أنه إذا وجد وكان هناك بعض الأدوات المفقودة في العمل كالأكواب وغيرها والتي إن فقدت فسيتم خصم قيمتها من الأجر، تركت العمل لأنه لم يكن ذا دخلًا ماديًا جيدًا بالإضافة إلى أنني كنت أصرف الكثير على وسائل المواصلات من وإلى العمل، وأعتقد بأنني صرفت أكثر مما حصلت فأتى علي العمل بخسارة، ولكنها مرت.

عملت ولمدة أسبوعين مبيض حوائط (نَقاش بالعامية)، كان العمل في مدرسة يعاد ترميمها، وكانت المدرسة في مدينة أخرى بعيدة عن المكان الذي أعيش فيه، وكانت الحياة كلها في المدرسة، الأكل والنوم يتم في الفصول، العمل أيضًا في الفصول، ولكنها مرت.

عملت في أحد مصانع الطرشي (المخللات)، كنت أقوم بتقطيع الجزر والخيار وما إلى ذلك من مكونات المخللات، أتذكر أن الأموال التي حصلت عليها من هذا العمل دفعتها إلى الشخص المسؤول عن تركيب الإنترنت في المنازل، وذلك للاشتراك في خدمة ADSL، بعد العمل في هذا المصنع قررت أن لا أكل المخللات إطلاقًا، ولكنها مرت.

عملت في أحد مصانع إعادة تهيئة الألومنيوم، كان يتم صهر الألومنيوم القديم في أفران كبيرة وبعد ذلك يتم تشكيله في صورة أدوات منزلية وما إلى ذلك، كنت أقوم بحمل وتحويل الألومنيوم القديم المحمل على العربات القادمة إلى المصنع ونقلها إلى الداخل، كذلك مساعدة الأسطى (المدير) في عمله على تشكيل تلك الأدوات الجديدة وحملها ونقلها إلى أماكن مختلفة، كان عملًا مرهقًا جدًا. أتذكر لحظات انتظارنا جميعًا نحن العاملين في المصنع أمام حجرة صاحب المصنع (رأس المال) لكي يتلقى كل منا أجرته الأسبوعية، ويالها من لحظات. أتذكر أنني قمت بشراء أول USB من الأموال التي حصلت عليها، وهذا ال USB ساعدني كثيرًا في تحميل المواد التعليمية الخاصة بتطوير الويب (HTML) من أجهزة مركز الحاسوب (السيبر) الذي كنت أجلس فيه عادة لتحميلها ونقلها بواسطة ال USB إلي جهاز الحاسوب الخاص بي؛ لأقرأ وأتعلم في المنزل بشكل أفضل، لأنه لم يكن لدي إنترنت، ولكنها مرت.

عملت في أحد مصانع التي تقوم بغسيل براميل النفط وصيانتها، كانت براميل النفط تأتي وعليها شوائب عالقة بها من مواد بترولية وشحوم وما إلى ذلك، وكان واجبنا أن ننظف تلك البراميل بالسولار حتى تصبح كالجديدة، كان العمل يبدأ من الصباح الباكر وحتى وقت قبل الظهيرة؛ وذلك لتفادي حرارة الشمس في باقي اليوم، كنت أنظف حوالي 50 برميل بشكل يومي وأغادر، كانت جدًا متعبة، وأصبت في يدي بإصابات وتورمات بسبب استخدام السولار في التنطيف، ولكنها مرت.

بعد تخرجي من الجامعة (تجارة/محاسبة)، وظللت فيها لمدة 6 سنوات، مع العلم أنها 4 سنوات فقط ولكنه الإهمال وعدم الوعي، قرت أنني لن أعمل كمحاسب، ولن أسافر إلى الخارج، كنت أتعلم تطوير الويب منذ فترة، ولكن لا أحمل خبرة كبيرة للعمل في شركات تطوير الويب. تركت قريتي وذهبت إلى القاهرة، بدأت في العمل في شركة فودافون في خدمة العملاء ولمدة 7 أشهر، وكنت خلال هذه المدة أتعلم عن تطوير الويب والبرمجة بشكل أكبر في أوقات الفراغ، على أمل أنه بعد وقت كافي سأبدأ بالتقدم للعمل في إحدى الشركات، وهو ما تم بعد سبعة أشهر من العمل في فودافون.

رأيت إعلانًا في أحد المواقع يطلب محررًا للويب (web editor)، وقلت: فرصة كبيرة، وتقدمت، مع أنني كنت أرغب في التقدم للعمل على وظيفة مطور ويب مباشرة، ولكن قلت لنفسي: محرر ويب ستوصلك إلى مطور ويب، وسيكون كل عملك على الإنترنت وبذلك ستكون قد تقدمت خطوة إلى الأمام.

وبالفعل تقدمت وقُبلت في العمل، والجميل أنني قبلت كمطور وليس كمحرر، وهناك قصة شبه طريفه عن هذا الموضوع ممزوجه بالمغامرة، وهي أن وظيفة محرر الويب كانت تتطلب مقابلتان للعمل، قمت بالأولى ومرت الحمد لله، والثانية أردت أن أطلب أجازة ليوم واحد من مديري في فودافون لكي أذهب لتلك المقابلة، طلبت منه الإجازة ولكنه رفض، وقمت أنا كذلك بالاعتراض معلنًا بأنني لا أستطيع أن لا أذهب إلى المقابلة، وكنت قد أخبرته بها ولكنه رفض، ولكن الأمر كان يتطلب المغامرة وعدم الذهاب إلى العمل في فودافون في اليوم التالي والذهاب بدلًا من ذلك إلى المقابلة، وبالفعل ذهبت إلى المقابلة، وفي أثناء الحديث قال لي بأن وظيف محرر الويب تم قبول شخصًا أخر فيها وقد انتهت – ولا أعلم حقيقة نيته في أنها أصبحت غير متاحة بشكل مفاجىء وأنه قد حصل عليها شخصًا أخر لأنه لم يأت بعد ذلك محرر الويب إلا بعد فترة كبيرة، ولكن لا يهم –، في هذه اللحظة تأكدت بأنني فقدت الأمل في كلتا الوظيفتين؛ وذلك لأنني رفضت الذهاب إلي فودافون عن عند مع المدير وأيضًا لم تعد هناك هذا العمل الذي أتيت من أجله، ولكن بعد قليل أخبرني بأن هناك وظيفة أخرى كمطور ويب، ونحن رأينا بأنك مؤهل بما يكفي لتحتلُها، وسألني إذا كنت أحب أن أبدأ أم لا، بالتأكيد كان الجواب معروف، واستمررت في هذه الشركة ما يقارب العامين، وبعد ذلك تركتها، ومرت هي الأخرى.

بعد ذلك جاءتني فرصة للعمل في شركة أخرى وكان العمل في تركيا لمدة من الوقت (من صانع مخللات منذ سنوات قليلة إلى مطور ويب في تركيا، يا إلهي  \ (•◡•) / )، المهم قضيت شهرًا رائعًا في تركيا وكانت تجربة السفر والسياحة هناك جميلة جدًا.

بعد العودة من تركيا استمررت في العمل لبضعة أشهر في نفس الشركة، وبعد ذلك تركتها وذهبت للعمل في شركة أخرى في التجمع الخامس في القاهرة، وانتقلت للعيش هناك – ومازلت إلى الآن – في غرفة صغيرة جميلة وبسيطة، وبعد أشهر من العمل في هذه الشركة تركتها أيضًا،  ومرت هي الأخرى.

وبعد ذلك قررت أن لا أتقدم لأي وظيفة أخرى محاولًا الاستقلال بعيدًا عن جو الوظيفة والعمل في شركات – وهو قرار كنت قد نويته منذ فترة كبيرة وفكرت فيه بشكل كبير منذ في بداية العام –، وذلك للعمل على بعض المشاريع الخاصة كمنصة اكتب، والاستقلال العملي، وأيضًا والمهم هو إعادة التفكير وترتيب الحياة بشكل أفضل.

في هذا المشوار وفي كل مرحلة مهما صغرت أو كبرت، سواء استمرت أيامًا أو سنوات، فقد ذكرت كل منها في بضعة اسطر، ولكنها كانت حياة بكل ما فيها من معاناة أو متعة. في كل مرحلة شيئًا ما يدفعني إلى الأمام، شيئًا ما يقول لي: لا يجب ألا تتوقف أبدًا، شيئًا ما يمنعني من أن أقارن نفسي بأي شخص أخر، ولكن أقارن نفسي بنفسي فقط – فأنا أعرف نفسي أكثر –، شيئًا ما يجعلني أتعلم، أستمر، وأن أتأكد بأن القادم سيكون بالتأكيد أفضل طالما أن هناك حركة وشغف وتعلم من الماضي.

نقطة مهمة وهي أنه لا يستمر شيئًا ما على حاله أبدًا، لن تجد نفسك بعد عام أو اثنين على نفس الحال الذي أنت فيه اليوم، فقط اجتهد وتوكل على الله، واعمل واجتهد وإن شاء الله سيوفقك، وكل ما يمر سواء كنا نرغب فيه أم لا، فهو يعمل على صياغتنا وتجهيزنا لما هو أفضل وأرقى ولا يجب أن نشعر أبدأ بالخجل لأننا نعمل أو عملنا في الماضي في أي عمل لو عادت بنا الأيام مرة أخرى فلن نقوم به مرة ثانية؛ فهكذا تتطور الحياة وتنمو، ولا يجب أبدأ أن ننظر إلى أي مهنه بأنها ليست ذات مستوى عال أو أن صاحبها ليس ذو شأن كبير، ولكن على العكس هذه مهنه وهذا إنسان لديه مشاعر وأحاسيس وطموح.

وهي مراحل.

والله المستعان.