المجتمع والزواج

أعتقد بأن الكثير من الشباب يريد وضع ورقة على صدره كُتب عليها: “نعم، أنا لم أتزوج بعد، وأرجوك لا تُفتي فيما لا تعلم، ولا تسألني لماذا لم أتزوج بعد” وفي نفس ذات الوقت يريد الزواج، سبحان الله (¬‿¬)

بالتأكيد كل شاب وشابة يريدون الزواج – فالزواج فطرة – وخاصة في ظل الظروف التي نمر بها مجتمعيًا وثقافيًا، وماديًا، وبالتأكيد الكل يريد أن يعيش حياة كريمة ويتمتع بعمل مستقل بعيدًا عن الوظيفة؛ لكي يستطيع أن يكون حرًا ومطمئنًا، ولكن أعتقد بأن الموضوع لم يعد بهذه السهولة وخصوصًا مع النظرة المجتمعية الحالية للزواج.  

الزواج الذي نراه هذه الأيام المليء بالديون والمشاكل والمشاجرات وعراك بين أهل الزوجين مرفوض، الزواج المبني على كم ستشتري وكم ثمن الشبكة وثمن الأثاث والجوانب المادية – فقط – مرفوض، الزواج المبني على تحكمات الأهل سواء أهل الزوج أو الزوجة واختياراتهم للطرف الآخر هذا – أيضًا – مرفوض، الزواج المفهوم على أنه فرح، وفستان، وزفة، و دي جي، وأغاني، و”ليلة العمر”، كل هذا مرفوض.

نريد تفاهم بين الزوج والزوجة، نريد راحة البال ومتعة الحياة، وكذلك التضحية من أجل الطرف الآخر. بالتأكيد الحياة والزواج فيهما الكثير من المشاكل ولكن نوعية المشاكل وطريقة حلها تختلف ونوع التفكير ورؤيتنا للحياة، تخيل أنك تعمل في عمل أنت تكرهه ملئ بالمشكلات، ستواجه تلك المشكلات بالمزيد من الألم والتعسف والمعاناة، على الجانب الآخر لو أنك تعمل في عمل تعشقه وبه أيضًا الكثير من المشاكل، بل وربما أكبر بكثير من أي عمل آخر، ولكنك ستستمتع بحل هذه المشكلات وستكون تحديًا ممتعًا بالنسبة لك إلى أن تصل إلى حلها عن حب وقناعة. 

وهكذا أعتقد مشاكل الزواج والحياة بشكل عام، إن كانت من نوع العمل الذي نبغضه؛ فبالتالي يومًا ما سنترك الزواج كما تركنا العمل الذي كرهناه، وهذا هو الواقع الذي نراه، يتزوج الشباب عن غير إدراك ومعرفة بالزواج متسرعًا وراء ضغط الأهل وقلة الوعي، أو عن قصة حب؛ ومن ثَم تأتي العواقب ويكتشف الطرفان بعد فترة بعدم التوافق فيما بينهما، وتحدث المفاجئة؛ هذا ليس الشخص الذي كنت أعرفه أثناء الخطوبة، هذه ليست الفتاة التي عرفتها أثناء الخطوبة! ومن ثَم الخطوة التالية تكونا الانفصال.

الضغط من قبل المجتمع سينتج زواج غير ناجح وضغط نفسي على الشباب وتذكيرهم دائمًا بالزواج وبأنه هو الخطوة القادمة ويجب أن يكون في أسرع وقت، الروتين المجتمعي وتقاليده ستؤدي إلى نفس النتيجة، بمجرد تخرج الشاب من الجامعة وبمجرد بدء حياته العملية يكون في موضع مراقبة من الجميع ووجب عليه الزواج من دون حتى أن يدرك ما هو الزواج وما هي واجباته ومسؤولياته، وهذه هي المشكلة، فأنا لست ضد الزواج مبكرًا، ولكن أتحدث عن التسرع، وعن الاختيار الخطأ، وعن المفاهيم الخطأ، وما إلى ذلك…

سيؤدي التسرع والضغط إلى اختيار خاطئ وسينتج زواج غير ناجح، حتى وإن استمر هذا الزواج، فالأهم عندهم هو الزواج، ربما يعرضون المساعدة في التكاليف، ولكن ماذا بعد، ماذا بعد الزواج، هل أنتم من ستعيشون أم نحن، هل هذه حياتكم أم حياتنا، هل نحن من سنتزوج أم أنتم، هل نحن من سيعمل ويذهب كل يوم إلى الوظيفة أم أنتم، هل ستكونون مسؤولين عن عائلتنا أم نحن، هل وهل وهل…. تدخل كبير في حياة الشباب وحتى بعد الزواج يتم التدخل في الحياة الزوجية لا داعي له على الإطلاق يؤدي ويزيد من المشكلات والطلاق فيما بعد بين الزوجين.

الزواج مطلوب وبشدة، ولكن الشباب يريد الزواج من إنسان يخوض معه هذه الحياة بكل ما فيها من جمال وتحديات، إنسان يشعر وهو معه بالراحة، والسكينة، والطمأنينة، وعلى الجانب الآخر يريد ابتعاد الأهل عن التدخل الكبير في بعض الأوقات والذي يتسبب في مشكلات كثيرة جدًا، يريد أن يجد ميسرات الزواج من مكان أفضل للعيش، و مدارس أفضل للأجيال القادمة، يريد تعليم راقي – وهذا هو الأهم – ليتخرج الفرد منه على علم بمسؤوليات الزواج وعلى وعي وإدراك بماهية الحياة.

تقاليد المجتمع في الزواج ومغالاة الأسعار والشبكة وما إلى ذلك، تخيلوا أقل سعر شبكة (ذهب) حوالي 20.000 جنيه مثلاً، وأقل شقه بأرقام مهولة، والأفراح الغير ضرورية وتجهيزات العروسة من لوازم البيت. كم يلزم التجهيز لكل هذا، ولماذا ننظر ونقارن أنفُسنا بالغير، وفلان اشترى بكذا وفلانه اشترت بكذا وندخل في دوامة لا نهاية لها من المقارنات والنظر إلى ما في يد الغير، ومن أين للشباب بكل هذا؟

كم خطوة مثلًا تحدث إلى أن تتم عملية الزواج: الخطوبة، الشبكة، كتب الكتاب، ليلة الزفاف، هذه هي أعمدة الزواج وتقاليده – على الأقل في المجتمع الذي أعيش فيه – وما بينها كان أعظم، من مناسبات وأعياد لا تمت بِصلة إلى ديننا. قل لي – بارك الله فيك – هل كل هذا ضروري لإتمام الزواج؟ كل هذه الأعمدة هي فقط مناسبات وأفراح تتم في الطريق، يصاحبها جهد مادي وعقلي كبير، كم من شاب يريد أن يدخل في هذا العراك، كم منهم ستتعطل حياته بسبب كل هذا – فالزواج يجب أن يكون مسيرًا للحياة وليس معطلًا لها، يأتي وتستمر معه الحياة ولا تتوقف – كم منهم يمر بتلك المراحل رغبة منه في إرضاء من حوله، كم من التفكير يستهلك، كم من أموال تُصرف، كم من أوقات تضيع، لماذا لا يتم تبسيط الأمور؟

يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : (( إنّ مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِها وتَيْسِيرَ صَدَاقِها وتَيْسِيرَ رَحِمها ))

والله من أيسر الزيجات التي رأيتها هي زيجات يسيرة لم يتم تكليفها إلا بالقدر المستطاع، أما الزيجات التي تعالى أهلُها وكلفوها مالا يطيقون، فينتهي كثير منها بحالات انفصال وعدم توافق – إلا من رحم الله – (طبعًا هذا ليس بمبدأ عام ولكن بعض مما ألاحظه) وأعتقد أن منكم لاحظ هذه النقطة.

في اعتقادي أن الزيادة والمغالاة في الزواج سببها: بُعدنا عن الدين – إلا من رحم الله – وأصبحنا ماديين واستهلاكيين بشكل كبير، تأثرنا بالفكر الغربي وتناسينا أصولنا، اتجهنا إلى تعقيد حياتنا بدل اتخاذ البساطة منهجًا لنا، أصبح الشك يسري في النفوس وأصبح الهدف هو تأمين النفس من الطرف الآخر، حتى إذا حدثت أي مشكلة؛ ضمن كل طرف حقه متمثلًا في بعض المتع المادية، ولكن المشكلة ليست مادية، المشكلة اجتماعية، أخلاقية، نفسية عميقة.

كم شاب ينخرط في هذا الموال الطويل من العمل والتجهيزات والسفر للخارج وتضيع الأعمار في ذلك، أين الشباب الطموح المبدع الذي يركز في عمله ويطور من نفسه ومجتمعه ولا يكون التجهيز للزواج هو كل حياته ولا يأخذ كل تفكيره ومجهوده ولكن جزء من حياته يأتي ويستمر معه ويساعده على التطور لا أن يأتي وتقف معه الحياة.

المجتمعات العربية وكما نرى – وهذا بأيدينا نحن – بأن التعليم يزداد سُوءًا، الحروب في كل مكان، والاعتماد على الغرب في كل شئ، لو أننا كنا متقدمين لكنا في وضع أفضل ومختلف، لماذا علينا أن نقبل بقوانين وضعية مستوردة ونقبل بتقاليد وزواج وتعليم من مجتمعات هذا هو حالها.

لماذا نسب الطلاق مرتفعة؟ بالتأكيد هناك خلل ومشكلات وتقاليد تؤدي إلى هذه النسبة ولا يوجد أحد أنا يريد أن يصبح من ضمن هؤلاء. كم من زيجات تم فضها بسبب تدخل الأهل، وكم منها بسبب الجهل بأمور الزواج، وكم منها بسبب الجهل بالحياة، واختلاف أسلوب التفكير، بالإضافة إلى الإعلام الفاسد.

الفيسبوك وما ينشر عليه من أخبار عن الخطوبة والزواج، ونشر صور الخطوبة والفرح، أعتقد بأن كلنا يعرف هذه الصورة المشهورة التي يجتمع فيها الاثنان وفي يدهما دبلة الخطوبة،  وتحديث “Status” الذي يحمل تغيير الحالة الاجتماعية. لماذا تنشر صورة مع خطيبتك؟ الموضوع ما زال في البداية تمامًا ولا أحد يعلم ماذا سوف يحدث في المستقبل، هل تريد أن تقول لأصدقائك ومتابعيك – مع العلم أن معظم هؤلاء لا تعرفهم ولا يعرفونك – أنك خطبت، هأنذا انظروا لقد خطبت (¬‿¬) تقول: أريد أن أنشر لحظاتي الجميلة مع أصدقائي على الفيسبوك، لحظتك في هذه الأجواء تنشرها مع طرفك الثاني ومع عائلتك وفقط، أعتقد بأن هذا ما كنت تتطلع إليه في ارتباطك بشخص تشعر معه بالاكتفاء والراحة وتُسعدوا أنفسكم بأنفسكم، الطرف الآخر من المفترض أن يكون هو الشخص الذي تستمتع بأن تشاركه كل حياتك.

المشكلة سَتُحل بتغيير السيستم وحدوث تغيير مجتمعي شامل – كما حدث من تطور في ماليزيا على سبيل المثال – سَتُحل بإنشاء مجتمع مُسالم، ومتسامح مع بعضه البعض على نحو أبسط مما هو الآن. الحل بالرجوع إلى الفطرة، التبسط في الحياة، الحل في العثور على شريك حياة يفهمك وتفهمه لعيش حياة مليئه بالتفاهم والتحدي والبناء والتغيير والطموح، من الممكن أن لا نجد هذا الشخص في المحيط الذي نعيش فيه، بل في محيط آخر وربما دولة أخرى؛ ولهذا يجب الصبر والتركيز على النفس وتقويمها وتهيئتها للزواج من علم ومعرفة، وتعلم وعمل لنصبح أفضل وأفضل وستأتي الفرصة وسيأتي لكل شخص ما يحلم به، إن أردت أن تقابل شريكاً يقرأ فيجب أن تقرأ وإذا أردت أن تقابل شريكًا حالمًا طموحًا فيجب أن تكون كذلك، أما وأن نتزوج أي شخص نقابله فهذا في اعتقادي سيؤدي إلى مشاكل كبيرة.

كانت هذه أيها السيدات والسادة، أيها الشباب وأيتها الشابات بعض الخواطر التي تدور في العقل، وحقيقة الموضوع يطول الحديث فيه، ولكن أكتفي بهذا القدر، وللحديث بقية إن شاء الله.

أتمنى حياة سعيدة هنيئة للجميع، وزواج سعيد واختيار صالح، والله المستعان  \ (•◡•) /