مصطلح السلف

جاء مصطلح السلف في سياق كتاب مدارك السالكين للإمام ابن القيم صاغه المحقق أبو محمد محمد بن فريد وأعتقد بأنه من المفيد سرد ما قاله لأهميته و إيجازه، وللإفادة، ونقل العلم:

من أشهر المصطلحات التي أفرزتها ثورات الربيع العربي، وأجرتها على ألسنة العامة ممن لا يعلمون معنى، أو حقيقة هذا المصطلح الجليل، ألا وقد كثرت التساؤلات عن حقيقة السلف والسلفية.

السلف: لغة: كل من مضى من السابقين.

السلف: شرعاً: هم النبي ﷺ والصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

كيف ومتى برز هذا التعبير في الدولة المسلمة؟

لقد كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون يجسد الصورة المثالية لمنهج الإسلام في الحكم، وكان الحفاظ على العقدة ألإسلامية أهم وأول وظائف الحكم، وكان المنهج السائد هو الاتباع التام، والالتزام الكامل، والتطبيق الشامل للكتاب والسنة.

وبعد الخلافة الراشدة نشأت عدة فرق ضالة وجماعات منحرفة حادت عن طريق الحق، وبدأت تطعن في منهج الصحابة رضي الله عنهم، وتعتقد بغير العقيدة التي وردت في الكتاب والسنة والتي مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعون رضي الله عنهم.

ومن أشهر هذه الجماعات الضالة: (الخوارج - المرجئة - الجهمية - المعتزلة - الشيعة). وتحت كل اسم من هذه الجماعات آلاف التفريعات الأخرى المنبثقة عنها والتي لا منشأ لها إلا الهوى وحب الجاه والرئاسة عياذًا بالله. فسخر الله برحمته الواسعة فئة تحافظ على عقيدة الإسلام والتي مات عليها الجيل الأول من الصحابة والتابعين، فأُطلق عليهم عدة ألقاب منها:

أهل السنة والجماعة: أي من التزموا بمنهج السنة والذي كان عليه جماعة الصحابة والتابعين.

أهل الحديث: لأنهم كانوا ملتزمين بالأحاديث الصحيحة ولا يتركونها للآراء الشخصية التي كان عليها الجماعات الأخرى.

أهل الأثر: لأنهم كانوا يسيرون على أثر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.

الأصوليون: لأنهم كانوا ملتزمين بأصول الأمة من الكتاب والسنة.

السلف: لأنهم كانوا يقفون عند حدود سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ولا يتجاوزونها إلى شطحات بعض الأمثلة على أشهر القضايا التي كانت مثارًا للخلاف بين السلف والفرق الضالة الأخرى.

القضية الأولى - قضية الأسماء والصفات:

وهي تتعلق بخصوص ما جاء في القرآن والسنة عن الله - جل شأنه - من الأسماء الحسنى مثل: الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، … والصفات العلى؛ مثل: الوجه والأصابع، والعين، … والأفعال المجيدة؛ مثل: (يضحك، ويغضب، ويحب، وينزل، ..

انقسم الضالون فيها قسمين رئيسيين:

أولهما - المشبهة:وهم من قالوا إن الله - جل شأنه - له عيون كعيون الخلق، ويضحك كضحك الخلق.

ثانيهما - المعطلة: وهم من أنكروا كل ما جاء عن الله في الكتاب والسنة من الأسماء الحسنى والصفات العُلَى والأفعال المجيدة، وأولوها على غير حقيقتها، فأولوا اليد بالقُدْرَةِ، والعين بالحفظ، وهكذا في سائر الأبواب.

موقف السلف: هو الإيمان بكل ما جاء عن الله في الكتاب والسنة بغير تعطيل - نفي الأسماء، والصفات, والأفعال التي وصف الله بها نفسه المقدسة في القرآن، والسنة وإنكار ذلك كله -، أو تأويل [هو صرف النصوص عن غير ظاهرها بلا دليل، ولا برهان، كتأويل اليد بالقدرة، والعين بالحفظ، أو تشبيه - إثبات المثلية، كأن يقول: لله يد كيد البشر، وعين كعينهم -، أو تمثيل - محاكاة الشيء، كأنه يشرح هيئة الاستواء الإلهي على العرش، أو هيئة الضحك لله عز وجل - إذ يؤمنون أن الله له عين لا يعلم أحد كنهها، ولا شكلها، ولا صفتها، وكل ما تصوره العقل فهي على خلافه، ويؤمنون أن الله - جل شأنه - يضحك ضحكًا لائقًا بقدسه وجلاله لا يشبه ضحك الخلق في شيء، وهكذا في سائر الأبواب].

القضية الثانية: قضية القدر: انقسم الضالون فيها قسمين:

أولاً الجبرية: وقالوا: إن العبد مسير ومجبور على أفعاله لا يملك من أمرة شيئاً كالريشة في مهب الريح.

ثانياً المعتزلة: وقالوا: إن الله لا يخلق ولا يقدر إلا الخير، والشر من عمل الإنسان لا يُقَدرُهُ الله عليه.

موقف السلف: آمنوا بالقدر خيره وشره، وآمنوا أن الله له قدره ومشيئة وإرادة وأن الله تعالى خلق في الإنسان قُدْرَة ومشيئة وإرادة يختار بها ما يريد من أفعال؛ وهذا الاختيار مبني على أساس م أعطاه الله للإنسان من القدر والمشيئة والإرادة، وهو مناط التكليف الذي لا يمكن وجوده بغير حرية الاختيار.

القضية الثالثة: قضية الاستواء: انقسم الضالون قسمين:

الأول- قالوا: إن الله تعالى موجود في كل مكان بذاته العلية.

الثاني- قالوا: إن الله تعالى استوى على عرشه كما يجلس الرجل على الكرسي

موقف السلف: وقفوا عند قوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ   اسْتَوَى)  [ طه : 5 ]. فآمنوا بالاستواء الذي الذي أخبرنا الله به، ولم يخوضوا في الكيفية التي حجبها الله عنا، ويمثل عقيدتهم قول الإمام مالك رحمه الله: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”.

القضية الرابعة- قضية القرآن: قال الضالون: القرآن مخلوق

موقف السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق.

القضية الخامسة- قضية الصحابة: اختلف موقف الضالين بين الطعن والمغالاة.

فالفرقة الأولى- الخوارج: سبوا الصحابة أجمعين.

الفرقة الثانية- الشيعة: سبوا معظم الصحابة، وغالوا في محبة علي، والحسين.

الفرقة الثالثة- الناصبة: عكس الشيعة إذ سبوا الصحابة رضي الله عنهم، وغالوا في محبة بني أمية.

موقف السلف: احترام الصحابة رضي الله عنهم وحبهم وموالاتهم دين وقربى بغير مغالاة إذ ليسوا بمعصومين من الخطأ وهم بشر يقع منهم التجاوز الذي يقع من البشر، ولا يجوز أن نشهد لأحد منهم بجنة إلا لمن شهد له النبي ﷺ بذلك. 

القضية السادسة- الموقف من الكبائر:

المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب ما لم يستحله.

الخوارج (التكفيريون): كافر كُفر أكبر مُخرج من الملة.

المعتزلة: في منزلة بين المنزلتين (خالدًا في النار) ولكن دركة أخف من دركات الكفار.

السلف: إن أقيم عليه الحد كان كفارة له إن لم يبلغ الإمام، ولم يقم عليه الحد، وخلصت توبته لله سبحانه وتعالى غفر الله له، وإن مات ولم يقم عليه الحد، ومات على غير توبة من الكبيرة؛ فهو في المشيئة إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ونخشى عليه العذاب، لا نقطع له به، فإن مات جامعًا بين التوحيد، وارتكاب الكبائر بغير توبة منها، فمصيرة حتمًا إلى الجنة وإن نال من العذاب بقدر تلطخه بالمعاصي عياذًا بالله.

هذه أشهر القضايا العقدية التي اختلف فيها السلف مع الفرق الضالة.

وفي المنهج: كان السلف في تغيير المنكر على الحكام المطبقين لشرع الله تعالى يتلخص في المناصحة لأولياء الأمور وإن وقع منهم بعض الظلم، وعدم جواز الخروج على الحكام المطبقين لشرع الله تعالى وإن صدر منهم بعض الظلم.

وعمومًا: فأُسُّ منهج السلف يقوم على اتباع الكتاب والسنة وعدم المعارضة لهما بالرأي والهوى في كل المسائل الشرعية، وفيما لم يرد فيه نص يقاس على شبيهه ونظيره، فكل من لزم هذا المنهج فهو سلفي أثري أصولي من أهل السنة والجماعة، ولا أحز يملك أن ينصب نفسه حكمًا ويعطي لنفسه الحق في طرد أحد من الاندراج تحت مظلة السلف؛ اللهم إلا إذا خرج هو عن الكتاب والسنة إلى الرأي والهوى، واختار لنفسه طريقًا غير طريق الصحابة وأفاضل التابعين رضي الله عنهم.

وجدير بالذكر حقًا أن ألفت النظر إلى أن حقيقة دعوة السلف إلى عصر الصحابة والتابعين مقتصرة على العودة في العقيدة والأخلاق والنسك وسائر الأمور الشرعية فحسب، ولا علاقة لها بالأمور المادية الحياتية كاستخدام الناقة والخيمة والسيف، …وسائر سمات العصر القديم والتي لا علاقة لها بالدين فالسلف لم يكونوا يستخدمون هذه الأشياء لارتباطها بالدين إنما لارتباطها بالعصر فهذه المستخدمات كانت في أيدي الناس أجمعين مسلمهم وكافرهم.

وعقيدة السلف تنظر إلى هذا التطور التكنولوجي كواجب على المسلمين وهو من فروض الكفايات التي يقوم بها بعض المسلمين وإلا أثم المسلمون أجمعون.

فالسلفية تعني الرجوع إلى السلف دينًا، وعقيدة وخلقًا ومنهجًا وسلوكًا، وليس الرجوع عن الصناعات والآلات المخترعات، وآخر ما أختم به مقالي أن أهل السنة كما تصدوا سابقًا للضالين من الخوارج، والشيعة، والمعتزلة، وغيرهم، فهم اليوم يخوضون معركتهم الضروس، وحربهم الشرسة ضد من يسمون بــــ: (الليبراليين – العلمانيين – القرآنيين – العقلانيين – ومن كان على شاكلتهم).

نسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصرهم على أهل الباطل أجمعين. أرجو من الله تعالى أن أكون موفقًا في تلخيص معنى السلفية.

نسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا خير خلف لخير سلف وأن يحسن خاتمتنا أجمعين.

جميع ما ذكر في السابق هو حق الكتاب والمحقق وجاء ذكره ص 46 – 49 من المجلد الأول

الإمام ابن القيم:  مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، الدار العالمية للنشر والتوزيع، القاهرة، خرج أحاديثه أبو محمد محمد بن فريد، 2013 م