التعليم والتأمل

استكمالاً لكتاب الإسلام بين الشرق والغرب وبعد التطرق إلى موضوع الثقافة والحضارة يأتي الحديث عن موضوع التعليم والتأمل وسأقوم بسرد ما ذكر في الكتاب على هيئة نقاط واقتباسات للإفادة:

ربط بين مفهومي الثقافة والحضارة وعلاقتهما بالتأمل والتعلم فقال: الحضارة تُعلم أما الثقافة فتُنور، تحتاج الأولى إلى تعليم والثانية إلى التأمل. التأمل جهد جواني للتعرف على الذات وعلى مكان الإنسان في العالم، هو نشاط جَدّ مختلف عن التعلم وعن التعليم وجمع المعلومات عن الحقائق وعلاقتها بعضها ببعض.

التأمل

  • يؤدي التأمل إلى الحكمة والكياسة والطمأنينة، إلى نوع من التطهير الجواني الذي سماه الإغريق (Catharsis).
  • تكريس النفس للأسرار والاستغراق في الذات للوصول إلى بعض الحقائق الدينية والأخلاقية والفنية.
  • يُعنى التأمل بالفهم الخالص.
  • التأمل ليس موقف عالم، بل موقف شاعر أو فنان أو ناسك.
  • يمنح التأمل قوة على النفس.

التأمل ليس موقف عالم، بل موقف مفكر شاعر أو فنان أو ناسك. وقد تعرض للعالم بعض لحظات من التأمل لكنه يفعل هذا، لا بصفته عالماً، ولكن باعتباره إنساناً أو فناناً “فجميع الناس هم فنانون بشكل أو بآخر”.

في الطبيعة نستطيع أن نكتشف العالم والإنسان، في حقيقة الأمر كل شيء يمكن اكتشافه عدا الذات الإنسانية أو الشخصية، إنه فقط من خلال هذه الذات نتصل باللانهائي، خلال الذات ومن خلالها فحسب نشعر بالحرية وندرك العالم الآخر الذي نشترك معه في ميراث واحد. بدون الذات يستحيل أن نشهد عالماً وراء عالم الطبيعة. لأن كل شيء آخر بجانب ذات الإنسان هو وجود براني ظاهري.

التأمل استغراق في الذات محاولة للوصول واكتشاف هويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا. فالتأمل لهذا السبب لا يحاول الإجابة على أسئلة عن المجتمع أو البشر. إنه معنيٌّ فقط بالتساؤلات التي يضعها الإنسان أمام ذاته. وإذا دققنا النظر في التأمل نجد أنه ليس وظيفة من وظائف الذكاء. فالعالم وهو يُصمم نوعاً جديداً من الطائرات لا يتأمل، إنما يفكر أو يدرس ويبحث ويختبر ويقارن، وكل هذه الأنشطة في مجموعها أو منفردة ليست تأملاً. أما الراهب والشاعر والمفكر والفنان، فإنهم يتأملون، إنهم يحاولون الوصول إلى الحقيقة الكبرى، السر الوحيد الأكبر. هذه الحقيقة تعني كل شيء ولا شيء: كل شيء بالنسبة للروح، ولا شيء بالنسبة لبقية العالم.

من أجل ذلك، كان التأمل نشاطاً دينياً. الفرق بين العقل والتأمل عند أرسطو هو الفرق بين الإنساني والإلهي.

التعليم

  • يواجه الطبيعة لمعرفتها ولتغيير ظروف الوجود.
  • يطبق العلم الملاحظة والتحليل والتقسيم والتجريب والاختبار.
  • العلم يعطي قوة على الطبيعة.

التعليم وحده لا يرقى بالناس ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية أو أكثر إنسانية. إن العلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعاً للمجتمع “. ويؤكد “ لقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم بل يمكن أن يكونوا أيضا خداما للشر، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة.

تحدث أيضاً عن التعليم وعلاقته بالإمبريالية وتاريخها: إن تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروباً ظالمة استئصالية استعبادية ضد شعوب متخلفة أقل تعليماً، كان أكبر ذنبهم أنهم يدافعون عن أنفسهم وحرياتهم. إن المستوى التعليمي الراقي للغزاة لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب، لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على ضحاياهم

وكأمثلة على التأمل والتعلم قال:

لقد أمضى ”تولستوي” حياته يفكر في الإنسان ومصيره، بينما كان “جاليليو” - نبي الحضارة الغربية - قد استولت عليه طوال حياته مشكله “الجسم الساقط”. أن تتأمل، وأن تتعلم (أو تدرس) نشاطين مختلفين، أو نوعين من الطاقة يستهدفان اتجاهين متعارضين، أدى الأول “ببتهوفن” إلى إبداع السيمفونية التاسعة، وأدى الثاني “بنيوتن” إلى اكتشاف قوانين الجاذبية والحركة..

الصلاة في “البوذية” مجرد تأمل. وفي المسيحية نجد أن طقوس الرهبانية التأملية ظاهرة جد منطقية. ويذهب الفيلسوف “إسبينوزا” إلى أن التأمل أرقى شكل وهدف للأخلاق.

وبشكل عام صاغ موضوع التأمل والتعلم كالتالي:

تعليمنا في المدارس يُذكي فينا الحضارة فقط ولا يساهم بشيء في ثقافتنا.

في عصرنا هذا يتعلم الناس، لكنهم كانوا في الماضي معتادين على التأمل.

إن التعارض بين التأمل والتعلم يكرر نفسه في التعارض بين الإنسان والعالم، بين الروح والذكاء، بين الحضارة والثقافة.

تم طرح موضوع التعليم والتأمل ص 110

والله المستعان