أنا والمستقبل والتعليم

أنا والمستقبل والتعليم

أثناء قراءتي لكتاب سيكولوجية الجماهير استوقفتني بضع فقرات تتحدث عن التعليم ودوره المجتمعي وكيف بإمكانه أن يكون شيئاً ضاراً بالمجتمع أكثر من نفعه إن لم يتم توجيهه وتطبيقه بالطرق الصحيحة المنوط بها.

استوقفتني لأنني وغيري من أبناء جيلي وأجيال أخري سابقة مررنا بالواقع التعليمي المرير الواقع في مصر والذي يزداد سؤاً يوما بعد يوم وأعتقد بأن كثير من الدول العربية تعاني من نفس المشكلة.

يصف بطريقة واقعية ومعبرة عن أسلوب التعليم الموجود والذي يعتبر من الأسباب المؤدية إلي انهيار الأمة وتدني مستوي التعليم بها والغريب بأن هذا الكلام كتبه غوستاف لوبون من أكثر من قرن فيقول:

إن الخطر الأول لهذه التربية هو ارتكازها على خطأ نفسي أساسي مفاده أن استذكار الكتب المدرسية يُطَوِّر الذكاء، أو يجعله يتفتح. وبناء على ذلك، يُجهَدُ الطلاب في حفظ أكبر قدر من المواد والمعلومات واختزانها. وهكذا نجد أن الطالب الشاب ما ينفك منذ السنة الابتدائية وحتى الدكتوراه، يبتلع الكتب بدون أن يشغل عقله أو رأيه الشخصي، فالتعليم بالنسبة له يتمثل في الحفظ والطاعة. 

إن تعلم الدروس و حفظ القواعد أو المختصرات عن ظهر قلب ، ثم تردادها و تقليدها جيدا يشكل ثقافه مسليه ، و فيها نجد كل جهد هو عبارة عن إيمان و اعتقاد بمعصوميه الأستاذ ، و هي لا تؤدي بالنهاية إلا إلى خفض مستوانا و جعلنا عاجزين. جول سيمون.

 في نفس السياق وفي كتاب فصول في التفكير الموضوعي للدكتور عبد الكريم بكار يقول:

ومما يساعدنا كثيرا في صياغه المشكلة وتقسيمها طريقه التعلم التي كونا عن طريقها معارفنا ومفاهيمنا، فحين تكون قائمة علي التلقين والحفظ فإن القدرة علي الصياغة الدقيقة ستكون محدودة. وذلك راجع إلي قلة تدريب فكر المتعلم علي الاستنباط والاستنتاج، وضعف قدرته علي استخراج توافيق جديدة من خلال أكداس المعلومات التي اطلع عليها. إما حين تكون الطريقة التي اكتسبنا بها معارفنا قائمة علي الحوار والمناقشة وقدح زناد الفكر وحصر الحلول المطروحة ومحاولة اكتشاف الخطأ … فإن القدرة علي تحديد المشكلات وإبرازها بصورة دقيقة ستكون أكبر بكثير. ولعل كثيرا من تعثر حلول المشكلات لدي العالم الإسلامي يعود إلي طريقه التعلم السائدة فيه.

أليس هذا هو الواقع الحالي للتعليم في مصر وكلنا يدرك ذلك حقيقة ومر بالتجربة الطويلة المجهدة لسنوات عديده وفي نهاية كل عام لا شئ لا شئ جدياً حصيلة العام. التلقين هو من أهم أسباب الفقر الفكري الذي نحن فيه الآن فلا تشجيع علي الاعتماد علي النفس ولا ترك الفرصة للطالب بالاجتهاد فكل ما يحصل هو دخول المعلم ووضعه للمادة علي السبورة ومن وراءه يكتب الطلاب في مذكراتهم. حفظ الكتب والمذكرات يعتبر شئ أساسي في الحياة التعليمية وحتي المواد التي لا تتطلب الحفظ مثل الرياضيات نجد الطلاب يحاولون حفظ القواعد والمسائل الرياضية من غير فهم فما بالك بالمواد النظرية. لا وجود لبني تحتيه للتجارب من معامل وغيرها وإن وجدت فيكون التردد عليها قليلا والعدد مزدحم للغاية.

أتذكر جيداً اللحظة التي تنتهي فيها الامتحانات في نهاية العام للتخلص من الكتب الدراسية بدون رجعة وبيعها لبائعي الروبابيكيا مقابل جنيهات معدودة، فالشاهد هنا ليس من الكتب ذاتها ولكن من الجو العام المصاحب للتعليم والمذاكرة الذي يؤدي بدوره إلى كره التعليم وكذلك الكتب الدراسية. فالتعليم أصبح مجرد مساحة زمنية مكرسة للحفظ وتنتهي بمجرد انتهاء العام وليس غايته غرس حب العلم وحب الكتب والقراءة لدي الفرد ليستمر في ذلك بقية حياته.

أتذكر أوقات حفظ الدروس والمذكرات عن ظهر قلب لكي يتم تفريغ كل ذلك في الامتحان وبعد الامتحان لا شئ يذكر، فقط كل ما علينا هو سماع ما يمليه علينا الأستاذ من أوامر بالحفظ والتكرار ونحن لا حول لنا ولا قوة.

تقريباً ١٦ عام يقضيها الطالب في المراحل الدراسية المختلفة إلي أن يصل إلي المرحلة الجامعية ثم بعد التخرج لا يدري إلي أين يتجه بعد ذلك في الحياة، طريقة التفكير لا تتناسب مع متطلبات الواقع المعيشي الصعب ولا قدراته التي تعلمها تتوافق مع الواقع، طريقة الحفظ والتلقين لا يمكن أن تنتج مجتمع ولا شخص قادر علي التفكير ولا علي العمل بصورة إبداعية. ومن ثم بعد ذلك إما أن يضطر ويختصر المسافات إلي السفر إلي أي بلد آخر ليعمل به أي عمل وتكون هذه بداية إلقاء ال ١٦ عام في النفايات، في الحقيقة هو لم يتعلم شيئاً يستحق فيهم ولكنه لا يريد أن يكمل مشواره في هذا البلد أو أن يبدأ من جديد ويتعلم من جديد مهارات تمكنه من الاستمرار تحتاج إلي سنوات أخري ليستطيع أن يبني نفسه من جديد ويعمل في مكان ما له أهمية.

فقدان القدرة علي تحديد الهدف والحياة بدون حلم والتي أصبحت منتشرة بشكل عام وخاصة الشباب بعد التخرج وفقدان التوجيه من المجتمع هي نتاج حقيقي للنظام التعليمي، ما معني أن نعيش بدون حلم وبدون هدف، ببساطة لا معني للحياة بدونهما. لك أن تتخيل بعد ١٦ عام من التعليم وعند سن التخرج لا يستطيع الشاب أن يحدد ماذا يريد وإلى أين يريد أن يتجه ولا حتي يستطيع أن يكتب السيرة الذاتية الخاصة به (CV) لتساعده للتقدم للعمل في شركة ما إلا من رحم الله من الشباب.

عمليات الغش الجماعي في المدارس والجامعات تبدأ بالمرحلة الابتدائية فأتذكر جيداً كيف كان يكتب المعلم الإجابة علي السبورة ومن ثم تتم عملية الغش في أولي مراحل التعليم وتعويد التلاميذ علي شيء منافي تماماً للدين والأخلاق، ومن ثم يعتاد التلميذ منذ نعومة أظافره علي الغش وتظل معه هذه العادة إلي أن يلتحق بالجامعة وبعدها في الحياة العملية إلا من رحم الله.

أتذكر المادة التي ما كان أحد يلقي لها بالاً ولا يلتزم بمذاكرتها وهي مادة التربية الدينية إلي درجة أنه في الامتحان تصل الدرجة إلي غش الآيات القرآنية من المصحف، إلي هذه المرحلة وصلنا حتي في ديننا. بالإضافة إلي الغش الجماعي في المدارس والجامعات بتصريح من المراقبين بل وأصبح هذا هو الشيء العادي.

الدروس الخصوصية والتي انتشرت بشكل بشع والتي تعكس مدي فشل التعليم الرسمي وتدني مستوي الدراسة في المدارس مما يترتب عليه عدم الثقة التامة في التعليم الحكومي وما فيها من عيوب من بينها إهمال للمدرسة والمعلم وتشتيت الطالب في أكثر من اتجاه فنجده يذهب في المادة الواحدة عند أكثر من معلم فكيف تكون عملية التركيز هنا وأين هو دور المدرسة التي أنشئت من أجله وأين هو دور المعلم الحقيقي وأيضا نذكر الهدر الكبير من الأموال.

المعلم في حد ذاته لا ننسي أنه هو أيضا لم يذهب ليتعلم في الفضاء أو في دول العالم المتقدم ثم بعد ذلك قرر العودة إلى أرض الوطن لأداء الواجب الوطني وقيادة التعليم، ولكنه هو هو ذلك الشخص الذي تعلم في تلك المدارس الحكومية والتحق بالجامعة الرسمية وبعد ذلك أصبح معلما لأجيال، فالموضوع أصبح متراكم من معلم ودولة وأولياء أمور وطلاب.

في امتحانات الثانوية العامة لم أحصل علي درجة كبيرة في امتحان الرياضيات في الصف الثاني مما أفقدني الأمل في الالتحاق بكلية علمية كالصيدلة وغيرها مع حبي الكبير لمواد الكيمياء والأحياء ولكن الرياضيات أضاعت هذا الحلم إلي الأبد. تنسيق الثانوية العامة الذي أودعني كلية التجارة فكانت هي أفضل الخيارات المتاحة وظللت بها ست سنوات مع أن الدراسة بها أربع سنوات فقط لأني ما كنت مهتماً بها ولم أعمل بها بعد التخرج واتجهت إلي البحث عن شغفي بتعلم البرمجة وبناء التطبيقات. عملية وضع كل الطلاب بمختلف مستوياتهم في قالب واحد وامتحان واحد ينتج قوالب مبرمجة علي التفكير باتجاه واحد، فامتحان واحد وسنة واحدة هي المتحكمة في مسيرة حياة شخص بالكامل. المناهج ثابتة لكل الطلاب علي إختلاف مستوياتهم الفكرية والاستيعابية وإهتماماتهم فاذا كنت طالب مختلف وتريد أن تكون متميزاً سوف تتشتت ضمن تلك المناهج وأساليب التعليم والبيروقراطية وتضييع الوقت طوال سنوات التعليم.

كم سنة نقضيها في تعلم اللغة الإنجليزية مثلاً، ليس أقل من عشر سنوات من الدراسة والنتيجة أنه لا يستطيع الطالب أن يُكون جملة واحدة بنطق صحيح ليتحدث بها مع أحد المتحدثين الأصليين أو حتي مع من حوله أو أن يقرأ مقال ما ويستوعبه بشكل جيد.

ولو كان التعليم هذا عديم الجدوي فقط لاكتفينا بالحزن والرثاء علي الأطفال الذين يعلمون بدلا من الأشياء الكثيرة الضرورية شجرة النسب لأبناء كلوتير وصراعات نوستري وأوستراسي أو التصنيفات الحيوانية، ولكنه يمثل خطراً أكبر بكثير لأنه يوحي للطفل الذي تلقاه تقززاً عنيفاً من البيئة التي ولد فيها والرغبة الشديدة في الخروج. فالعامل لم يعد يرغب في أن يبقي عاملاً، والفلاح لم يعد يرغب في أن يبقي فلاحاً، وأخر البرجوازيين لم يعد يري لأولاده من مهنة ممكنة إلا أن يصبحوا موظفين زوي رواتب لدي الدولة. وبدلاً من تحضير رجال المستقبل لمواجهة الحياة، فإن المدرسة لا تحضرهم إلا للوظائف العامة حيث لا يتطلب النجاح أي جهد شخصي أو مبادره ذاتيه من طرف الطالب. فهو يخلق في أسفل السلم الاجتماعي جيوشاً من البروليتاريين الناقمين علي وضعهم والمستعدين دائما للتمرد. ويخلق في أعلي السلم الاجتماعي بورجوازيتنا الطائشة، المتشككة والساذجة في آن معاً. هذه البورجوازية التي تثق ثقة خرافية بالدولة وكأنها قادرة علي صنع المعجزات. وعلي الرغم من ذلك فهي تلومها باستمرار وتتهم الحكومات باقتراف أخطائها الخاصة بالذات. وهي عاجزة عن القيام بأي مبادرة أو مشروع بدون تدخل السلطة.

أحقاً هذا الكلام الذي قيل فعلاً، الكلام واضح لايحتاج إال تعليق كل يوم نري بأعيننا هذا الكلام علي أرض الواقع.

أشعر بأن كل أبناء جيلي يريد الهجرة إلى خارج البلاد بحثا عن عمل جيد وأدمية تشعره بإنسانيته التي نفقد كل يوم جزءاً منها. ولماذا ليس لدينا الحق في أن نظل في بلادنا معززين مكرمين كمثل شعوب العالم المتقدم ولماذا وجب علي الشباب الزحف واللهث وراء السفر للخارج والغربة بعيداً عن أهله وزوجته وأولاده لسنوات عديدة. السفر في حد ذاته شئ جيد ولا أحد ينكر هذا وكل الناس من كل دول العالم تسافر للعمل في دول أخري، ولكن عندما يصبح السفر هروب من المجتمع لعدم تحمل المعيشة فيها فهذه هي المشكلة.

الكثير من الشباب يتخرج من الجامعة ومن ثم يبدأ بالبحث عن تأشيرة للعمل بالخارج ويدفع الآلاف للحصول عليها ويذهب ليعمل أي شيء لا صلة له بما تعلم ويلاقي من الذل والهوان من أصحاب العمل ما لا يتحمله في بلده ولكنه ليس لديه إلا الصبر والعمل، أتذكر أحد أصحابي الحاصل علي شهادة جامعية والذي سافر إلي الخارج ليعمل في المقاولات كعامل وتم النصب عليه في أموال كثيرة وتم سجنه أيضاً وترحيله فيما بعد.

بعد ذلك يأتي الشاب بعد عام أو عامين من السفر وقد حصل علي بعض الأموال التي تمكنه من الزواج فيقوم بخطبة فتاة لمدة قصيره جداً ومن ثم يعاود السفر مرة أخري لعدة سنوات وبعدها يأتي في أجازة قصيرة جداً ليتزوج وبعدها يسافر مرة أخري وهكذا. أين الاستقرار المرجو من الزواج وأين دور فترة الخطوبة وأين دور الأب بالنسبة لتربية الأبناء.

والدولة التي تخرج بواسطة هذه الكتب المدرسية البائسة كل هؤلاء الطلاب لا تستطيع أن توظف منهم إلا عدداً صغيراً، وتترك الآخرين بدون عمل. وبالتالي فعليها أن تقنع بإطعام الأولين، وجعل الآخرين أعداء لها. ومن أعلي الهرم الاجتماعي إلي أسفله نجد أن الكمية الضخمة من الخريجين تحاصر كل المهن والوظائف اليوم. فالتاجر لا يقبل إلا بصعوبة شديدة وكيلا يقبل بالذهاب إلى المستعمرات لتمثيله فيها. ولكن أكثر الوظائف تواضعا تتلقي ألاف الطلبات من قبل المرشحين للتوظيف. فمحافظة السين تحتوي وحدها علي عشرين ألف معلم ومعلمة بدون عمل. وبما أنهم يحتقرون العمل في الحقول أو في المصانع فإنهم يتوجهون بطلباتهم إلي الدولة كي يعيشوا. وبما أن عدد المقبولين محدود، فان عدد الناقمين كبير بالضرورة. وهؤلاء الأخيرون مستعدون لخوض كل الثورات أياً تكن أهدافها أو قادتها. فاكتساب المعارف التي لا يمكن استخدامها هو الوسيلة المؤكدة لتحويل الإنسان إلي متمرد.

إصلاح عملية التعليم الرسمي سيحتاج لسنوات وسنوات، المدارس الحكومية سيئة للغاية والمدارس الدولية المسماة باللغات لا أدري كيف هي بالضبط بالنسبة للثقافة العربية والتكوين الفكري العربي منها للغربية وتعليم اللغة العربية وتعاليم الدين وأضف علي كل هذا التكاليف الباهظة التي تتطلبها هذه المدارس. كنت أعمل لفترة بجانب مدرسة وحضانة للأطفال وكانت في مكان راقي في القاهرة وكنت أسمع وبشكل دوري الأغاني الشعبية والأجنبية في حفلاتهم فكيف هذا في هذه السن الصغيرة جداً وكيف هذا في المدارس بالأساس وماذا ستتوقع من أطفال تنمو في هذه البيئة. كيف أقبل لأولادي العيش في هذه البيئة والاحتكاك بها، كيف سيستمدون ثقافتهم وإلي أي مدي وإلي أي جهة سيكون انتماؤهم.

التعليم بهذا الشكل يضعف التفكير ويضعه في مرتبه متدنية لدي الأفراد والجماعات مما يؤدي إلي التخلف وعدم القدرة علي منافسة المجتمعات المتقدمة، ويولد أعداداً غفيرة من الشباب عديمي المنفعة وعالة علي المجتمع إلا من رحم الله وأدرك الموقف ومن ثم عمل علي تطوير نفسة مجتهدا في سبيل تحقيق آماله وطموحاته.

الغزو الفكري وانتشار الأغاني والأفلام الفاضحة بالشكل الموجود حالياً وتعود الأطفال والشباب علي سماعها وترديدها لهو أمر محزن، لهو الآباء عن الأبناء وابتعادهم عنهم للسفر خارج البلاد كما ذكرت من قبل وترك المسئولية الكاملة للأم وعدم اتخاذ أي موقف لهو أمر اكثر حزناً. المجتمع بأكمله يشعرك بأنك غريب بداخله، ستكون غريباً إن قلت بأنك لم تعد تسمع الأغاني وانك ملتزم إلي حد ما وتريد أن تحقق حلمك ولديك شئ من التفاؤل ولديك أحلام وطموحات وأنك تأخذ الحياة بشكل جدي لشعورك بوجود هدف تريد تحقيقه، تحافظ علي وقتك بكل ما تستطيع وتجد من حولك يضيع وقته بكل ما يستطيع.

لست ألعب دور المشتكي ولا دور الضحية هنا لأنني لست من هذا النوع وليس للمسلم أن يكون هكذا ولكني أعرض الواقع بما فيه من تجارب ووجوب إدراك مانحن عليه من حال ليستطيع كل شخص تغيير ولو حتي من نفسه ليصبح أفضل ومن ثم سيؤثر هذا عليه وعلي أولاده والمجتمع بكامله. فلينهض كل منا ليغير من حاله أولاً ويغير من شأنه علي قدر استطاعته فلا مجال بعد للقعود عن العمل والتعلم.

إنني حين افكر في هذا التعليم الموجود حالياً والمستوي المتدني أفكر مستقبلا في أولادي وأولاد غيري بأنهم حتما سيمرون بهذه التجارب وسيتكرر الموقف معهم وسيوضعون تحت أيدى وتصرف جهلاء لا يعرفون ما يقومون به وتحت تأثير سياسة دولة تريد إخراج  بشر علي هيئة قوالب مصطنعة تفكر وتقاد علي حسب توجهات السياسة الموضوعة وتحت سيطرة مناهج دراسية تقوم علي التلقين وعدم إعمال الفكر.

هناك حل قرأته في كتاب عن برتراند راسل يقول فيه:

وحين بلغ جون وكيت سن المدرسة، قرر راسل ودورا إنشاء مدرسة تخصهما حتي يتعلم الأطفال علي النحو الأفضل من وجهه نظرهما. برتراند راسل - مقدمة قصيرة جدا

كان يريد أن يتعلم أطفاله علي الطريقة التي يري أنها مناسبة من وجهة نظره ومن ثم أنشأ مدرسة خاصة به تضم أولاده وبعض أولاد معارفه ولكن مع الأسف لم ينجح هذا المشروع لعدة أسباب من بينها التكاليف الكبيرة لإدارة مدرسة وعدم وجود المعلمين القادرين علي تطبيق مبادئهما باستمرار.

فيما يتعلق بالحل الخاص ببرتراند راسل قرأت عن موضوع مهم جداً يسمي بالتعليم المنزلي (Homeschooling) وهو ببساطة نظام تعليمي بديل للتعليم الرسمي يتلقى فيه الطالب التعليم في المنزل دون الحاجة للذهاب إلى المدرسة وتقع المسؤولية علي الأب والأم في تعليم أبنائهم. تأتي الدوافع للتعليم المنزلي من أن أولياء الأمور مستائين وغير راضين إلى درجة كبيرة من التعليم الرسمي كما هو الحال في معظم الدول وحتي الدول المتقدمة كالولايات المتحدة من حيث المناهج التي تدرس والبيئة العامة والتوجيهات داخل المدرسة وتدني المستوي العام في المجتمع مما سينعكس بالتالي علي أخلاق زملائهم وبالتالي علي سلوك أولادهم وأيضا بأن المدارس لا تلبي الاحتياجات الخاصة بكل طفل وتعاملها مع الأطفال بصورة نمطية دون النظر إلى مواهبهم الخاصة وتنميتها لدي كل طالب، وأيضا حاجة الآباء ورغبتهم في الإندماج والتحكم في طريقة تعليم أولادهم بدرجة كبيرة والمحافظة علي تقاليد معينة سواء دينية أو أخلاقية لاتتوفر في المدارس الرسمية.

موضوع التعليم المنزلي يستحق فعلا الدراسة والبحث وفيما يلي بعض المصادر التي اطلعت عليها:

  1. موقع ابن خلدون للتعليم المنزلي
  2. التعليم المنزلي فى مصر
  3. تجربة أم جمانة مع التعليم المنزلى “ أم مصرية فى مصر”
  4. كيف يفشل الأطفال ؟
  5. “مصر بلا مدارس” ذلك الحلم الجميل!
  6.  جون هولت وهو مؤلف ومعلم أمريكي كان يدعم التعليم المنزلي
  7. التعليم المنزلي ومستقبله وآثاره - لقاء مؤسسة ابن خلدون
  8. Outschooling in the Bay Area

نعيش حياة مليئة بالمغالطات المتراكمة والعقيمة المتوارثة عبر أجيال والتي يحسبها الناس بأنها هي الشئ الصحيح مع عدم وجود وسيلة للتحقق من تلك المغالطات لأننا تلقينا هذه المفاهيم بصورة متراكمة علي مدي سنوات عديدة عبر التعليم والاحتكاك بالمجتمع وبكل بساطة وضعنا في صورة قوالب لا تتحرك ولا تفكر بسبب التعليم وتستمر معنا إلى أن يرثها أبناءنا فيما بعد وهكذا تستمر في الانتشار. شخصياً لم أجد وسيلة خير من القراءة لتصحيح كل ما هو خاطئ بالنسبة لي.

يجب علي أن وأقرأ وأتعلم كل يوم ما يفيدني ويفيد مستقبلي ومستقبل أولادي، يجب أن أبني نفسي كل يوم لأكون أفضل ولكي أهدم كل ماهو سيئ وكل ما تعلق بي من شوائب التخلف والماضي الذي لا يمكنني الرجوع إليه مطلقاً. أقول لنفسي ولكل شخص يقرأ هذه الكلمات، عرفنا وأدركنا الواقع الذي نعيش فيه ومن ثم يجب أن نعمل علي تغيير أنفسنا أولاً ومن ثم سينعكس ذلك بالتأكيد علي أولادنا.

وجود مكتبة للكتب في البيت ستساعد بشكل كبير علي تكوين ثقافة القراءة لدي الأطفال والتي بدورها ستغيرهم إلي الأفضل وتطور طريقة تفكيرهم منذ الصغر لاعتقادي بأن القراءة تصنع الإنسان وتحوله إلي الأفضل وأيضا وجود مكتبة في البيت سوف تساعد الطفل علي الاحتكاك بالكتب منذ الصغر ولا بد من أن نكون نحن الكبار قدوة لهم. لم أتزوج بعد ولكن القراءة غيرت حياتي للأفضل في الأعوام القليلة الماضية وبالتأكيد ستغير حياتك وحياة أولادك في المستقبل.

العلم أصبح منتشر علي الإنترنت وبصورة متاحة للجميع، العلم موجود في الكتب لكل من يريد تغيير نفسه، إنتشار منصات التعليم المجانية عبر الانترنت وظهور منصات عربية جديدة مثل نفهم و رواق والتي تساهم بشكل كبير جداً في عملية التعليم واكتساب المهارات، أتمني أن تسود مثل هذه المنصات في العالم العربي بشكل أكبر.

التعليم لا بد وأن يكن مستمر معنا مدي الحياة ولا ينتهي بمجرد الانتهاء من التعليم الرسمي لذلك تنمية وزرع هذا المفهوم في أنفسنا وأولادنا مهم جداً للتنمية والنهوض.

حين نعلم الإنسان التفكير فإننا نحرره وحين نلقنه فإننا نضمه للقطيع

علي عزت بيجوفيتش

مصدر الصورة